الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

210

الأخلاق في القرآن

النّفس اللّوامة لهذه المجموعة ، مهيمنةٌ عليهم ، ويعيشون على مقربةٍ من النّفس المُطمئنّة ، والأمل بنجاتهم أكبر . القسم الرابع : التّوابون بعزمٍ وقوةٍ إرادةٍ ، في طريق الطّاعة للَّه تعالى ، فلا تهزّهم العَواصف التي تفرضها حالات الصّراع مع الخَطيئة ، ولا يخرجون من أجواء التّقوى ، صحيح أنّهم ليسوا بمعصومين ، ولَرُبّما فكّروا بالمعصية ، ولكنّهم محصّنين مُبعدين عنها ، فَقِوى الإيمان والعقل عندهم ، سَلبت هوى النّفس فاعليّته في واقعهم الباطني ، وكبّلته بالسّلاسل الغلاظ ، في خطّ التّزكية والجهاد الأكبر ، فلا سبيل للشّيطان والأهواء عليهم . فأولئك هم أصحاب : « النّفوس المطمئنّة » ، الذين نعتتهم الآيات ( 27 إلى 30 ) من سورة الفَجر ، وخُوطِبوا بأبلغ خِطابٍ ، فقال عز من قائل : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » . فدخلت بإفتخارٍ في أجواء النّور والقُرب الإلهي : « فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » . ومن جهةٍ أخرى ، فإنّ لِلتوبةِ مراحل على مستوى المصاديق أيضاً : المرحلة الأولى : التّوبة من الكفر إلى الإيمان . المرحلة الثّانية : التّوبة من الإيمان الموروث التّقليدي ، والتّحرك نحو الإيمان الحقيقي المُستحكم . المرحلة الثّالثة : التّوبة من الذّنوب الكبيرة الخَطرة . المرحلة الرّابعة : التّوبة من الذّنوب الصّغيرة . المرحلة الخامسة : التّوبة من التّفكير بالذّنب ، والخواطر المشوبة بالمعصية ، وإن لم يرتكب الُمخالفة في دائرة الفعل والمُمارسة . فكلّ فرقةٍ من العباد لهم توبة ، فتوبة الأنبياء من اضطراب السّر ، ( في كلّ لحظةٍ لم يتوجهوا فيها إلى اللَّه تعالى بالباطن والسِّر ) . وتوبةُ الأصفياء من كلّ تنفّس بغير ذكر اللَّه « 1 » .

--> ( 1 ) . فسّر المرحوم المجلسي : التّنفس بنفس ذلك المعنى ، ولكنّ بعض كتب اللّغة ، فسّرته : بالخطابات الطّويلة .